فصل من كتاب جيمس دانيال كولينز ( الله في الفلسفه الحديثه ) ت . فؤاد كامل
هذه افتتاحيه الفصل الثامن من الكتاب يبدأ فيها المؤلف بفلسفه فويرباخ تليها النزعه الالحاديه الاجتماعيه عند ماركس ثم الفلسفه النتشويه و أخيرا النزعه الطبيعيه الامريكيه بوصفه نزعه منهجيه في الالحاد , أعترف بانه عموما كتاب صعب و مرهق في فهمه - علي الاقل بالنسبه لطالبه فلسفه في السنه الثانيه .-
( ملحوظه : قمت بحذف فقره من البدايه يتناول فيها المؤلف الخطوط العريضه للفصل رأيت أنها لسيت بذات أهميه كبيره )
ظهور الالحاد .
للالحاد تاريخ طويل حافل فهو أحد الامكانيات العقليه و العمليه التي يتبناها الانسان حين يهم بوضع تفسير عام للكون و مع هذا فان وجهه النظر هذه من اكثر و جهات لنظر افلاتا من التعريف , لان لها في العاده دلاله نسبيه . وربما كان أوسع معني يعزي الي الاحاد هو انه انكار للتصور السائد عن الله أو عن الالهي . ولكن لما كان هذا التصور يمكن ان ينتقل من عصر الي أخر , لم يعد من المستبعد أن تكون ثمه نقله مناظره في معني الالحاد, فاحيانا يتأثر الملحد النسبي خفيه بادراك أن النظره الشائعه غير جديره بالدلاله علي أعلي قيمه , او بأنها تستتبع نتائج تجربته , ولا تتفق و احساسه بالكرامه الانسانيه مثل هذا الموقف لا يبتعد كثيرا عن مذهب نقدي في الالوهيه يعيد بنائها , و يحاول أن يستبدل بالنظره المضلله عن الله نظره أخري متكافئه نسبيا , صحيح أن كلمه " ملحد " أطلقت علي أنكساجوراس Anaxagoras لأنه انتقد الفكره الدينيه اليونانيه عن الالهه , وأطلقت علي الأباء المسيحيين الأوائل لهجومهم علي تعدد الالهه الوثني , وعل أسبينوزا الذي ربط بين الله و العالم علي نحو غير تقليدي . غير أن استخدام هذه الكلمه في مثل تلك المواقف لم يكن مناسبا , لأنها تتعلق بمسأله النزاع بين التصورات المختلفه عن الله و لا تنطوي علي انكار تام للاله .
"تأنيس " فويرباخ للمطلق الهيجلي :
أدخل هيجل - قبل وفاته بأعوام قلائل - في عداد تلاميذه شابا لاهوتيا سابقا يدعي لودفيج فويرباخ Ludwig Feuerbach (1804-1872)
و كان فويرباخ قد تحول اليهيجل عام 1824 حين خاب ظنه نتيجه لضروب التوفيق التي سعس اليها لاهوتيون من أمثال شليرماخر - بين الحريه الانسانيه و التبعيه لله , بين قوانين العقل ومطالب الايمان . ولم يستطع فويرباخ ان يجد حتي عند زعيم المثاليه الألمانيه-حلا مرضيا لهذه التوترات . و الواقع , أنه كلما استمع الي هيجل و هو يتحدث عن تعينات الفكره المطلقه في الواقع الانساتي , ازداد تعجبا عن كيفيه التوفيق بين هذه النظره المثاليه للأنسان , وبين ما تقرره البيولوجبا و الفيزياء في الانسان و عن هذا المزاج المتشكك العميق الذي تولد عن هذا المأزق وضع فويرباخ فلسفه رأي أنها أكثر تمشيا مع الروح العلميه في القرن التاسع عشر , وان تكن لهذا السبب نفسه شديده الانتقاد أيضا للاهوت المسيحي و الفلسفه الهيجليه .
و أنتج فويرباخ في الفتره اتي تمتد بين عامي 1839 و 1843 أربعه مؤلفات رئيسيه تحدد موقفه من المسيحيه و من الهيجليه , وتشق في الوقت نفسه طريقا جديدا للفلسفه في عصر علمي (1) و قد تنبأ ببصيره نافذه ان مستقبل الفلسفه يجمع بين النزعه الانسانيه و النزعه الطبيعيه , و لكنه أضاف شرطا لفتح الطريق أمام النزعه الانسانيه الطبيعيه هو أزاله أله المسيحيه و مطلق هيجل . والي طريقه فويرباخ في وضع مشكله العقل و الطبيعه يرجع السبب الرئيسي الذي جعل من الالحاد سمه مميزه لكثير من النزعات الانسانيه و الطبيعيه خلال الأعوام المائه الماضيه . و معأن هذه السمه السلبيه المميزه قد أخذت بالاجماع في نهايه الأمر علي أنها نقطه بدء صحيحه , بل بدايه لا يتطرق اليها الشك , الا أنها كانت تعتمد في صياغتها الأصليه أعتمادا و ثيقا علي مجموعه خاصه من الصعوبات العقليه التي توارثها الجيل الأول من الهيجليين سواء من اليسار أو من اليمين .
و يتقدم فويرباخ بقضيه تاريخيه هي أن المهمه الرئيسيه للفكر الحديث هي "تأنيس الاله " فالبروتستانتيه ترتكز علي دلاله الله للخلاص الانساني , و مذهب شمول الألوهيه يغلق الأبواب علي الله داخل الطبيعه , و المذهب التجريبي يحكم علي الله بمعيار النزعه العلميه في الانسان , و تنظر المثاليه الي الله و الطبيعه بوصفهما وجهين لكل روحي واحد . و يعد هيجل ذروه هذا الاتجاه " التأنيسي " و لكنه يفتقر لسوء الحظ الي الي الشجاعه التي تدفعه الي النتيجه المحتومه التي تتألف من رد كل ما هو فوق الانسان الي الانسان , وكل ما هو فوق الطبيعه الي الطبيعه , و تتقطع الاسباب بمذهبه دون الوصول الي هذا الرد النهائي نتيجه لاحتفاظه بالروح المطلقه . ويري فويرباخ أن رسالته الخاصه هي " تأنيس " و " تطبيع " naturalization الروح المطلقه بصوره تامه .
و تنفيذا لهذا المشروع , يقبل فويرباخ موقف هيجل الي حد معين , ثم يقلب العلاقات الجدليه التي سلم بها مؤقتا , فهو لا يستغني مثلا عن دعوي هيجل بأنه ذروه تاريخ فلسفه غي الله بأكملها . فمن خلال هذا القبول اللبق ( الذي يعاتبه عليه بعض أنصار الالحاد) , يستطيع فويرباخ أن يتجنب مشكله مشكله عويصه هي مشكله التعدد الفلسفي من جانب المواقف التي تتدعي مقاومه الاندماج في المذهب الهيجلي , و بالتالي يستطيع أن ينظر الي نقده لهيجل بوصفه نقدا حاسما لكل طريقه أخري في النظر الي الله و الانسان و الطبيعه . وثمه قضيه أخري يحرص فيها حرصا شديدا علي قبول التدليل الهيجلي بوصفه منتجا , و اعني بها قضيه العلاقه بين الله و الروح المطلقه , ذلك أن قبول هويتها الاساسيه يمكن فويرباخ من أن يلحق بمذهب الألوهيه وبكل شكل من أشكال المسيحيه , المثالب التي سوف يشير اليها في نظريه المثاليه المطلقه .
فاذا افترضنا أن المضمون في كل مذهب اللألوهيه وفلسفه الروح المطلقه شيء واحد ,لزم عن ذلك أن " سر الفلسفه النظريه هو اللاهوت "(2) .وهذه الهويه تعني- بين يدي هيجل - أن نظريه الله ما هي الا مرحله تمهيديه للنظريه المتحكمه : نظريه الروح المطلقه , ولكنها في الصوره التي يخلعها عليها فويرباخ تعني أن هناك علي العكس من ذلك اعتمادا جوهريا لنظريه المطلق علي الله . و ليس المذهب الهيجلي - من الناحيتين التاريخيه و التكوينيه genetic - أكثر من الملاذ النهائي , و السند العقلي لمذهب الألوهيه , وللأهوت المسيحي , أو هو أخر محاوله عظيمه لاستعاده العقيده المسيحيه تحت قناع فلسفي و مع أن هيجل ينجح في أزاله الانفصال بين " واحد " الأفلاطونيه المحدثه , و بين العلو الشخصي للأله المسيحي , الا أنه لا يكف عن محاوله ابتلاع المتناهي في الامتناهي , و الانساني في طبيعه روحيه فائقه علي الانسان . واذا كان هيجل يحط من شأن الزمان و التاريخ و الوجود الحسي , فما ذلك الا علامه علي الأصل الاهوتي الذي يفسد تفكيره .
من الجلي اذا أنه لا محيد عن انتقال بؤره النقد من المطلق الفلسفي الي الاله اللاهوتي , و الي أساسه في الاحتياجات الانسانيه , تمشيا مع مبدأ فويرباخ التكميلي و هو أن" سر اللاهوت هو علم النسان ( الأنثروبولوجيا ) " وهنا يستخدم المنهج النفساني التكويني ( أو النشوئي النفساني psychogenetic ليحطم ما يدعيه اللاهوت المسيحي و الفلسفه الالوهيه ( و يطلق عليهما دائما مجتمعين اسم " اللاهوت " ) من انهما يهتمان بالواقع المستقل . و المنهج النفساني التكويني وسيله فنيه لارجاع نظريه الله الي دوافع معينه في الطبيعه الانسانيه نفسها . و يعتقد العقل الألوهي أنه يتناول المجال الواقعي علي حين أنه لا يفعل أكثر من تجسيد الدوافع و التطلعات الانسانيه التي تؤلف نسيج الدين تجسيدا موضوعيا وهكذا يجري فويرباخ احاله مزدوجه :الاحاله الأولي هي رد المثاليه المطلقه الي مذهب الألوهيه , و الثانيه رد مذهب الألوهيه الي ميولنا الذاتيه . ورأيه هو أن التفكير النظري في الله أو في الروح المطلقه لا يتفق فحسب مع رغباتنا الذاتيه , بل ان هذا التفكير لا يزيد عن كونه " أقنمه " hypostasization لتلك الرغبات .
و يحاول فويرباخ- في بحثه عن ماهيه الدين -أن يلقي ضوئا علي العمليه الذهنيه التيتقدم لمضمون الكامل لنظريه الله . وهو يعترف بأن هيجل كان أول من أضاء الطريق بوهج ساطع حين شرح أدله وجود الله علي أساس السمو الديني للروح . وكانت بذره النزعه اانسانيه الملحده كامنه في افلسفه الهيجليه من حيث أنها بقيت مزدوجه الدلاله - علي نحو غريب- فيما يتعلق بطبيعه الفكر الخالص أو الروح التي ينطوي عليها الاستدلال الألوهي و التطلع الديني . و علي الرغم من أن هيجل نفسه كان يصر علي تجاوز الانسان في السير نحو الروح المطلقه الواعيه بذاتها , الا أنه كان يشير ايضا الي التطور التاريخي بوصفه تجليه لماهيه الانسانيه و حريتها , و محققا لطبيعه الانسان الالهيه الكليه . و الواقع أن فويرباخ يجدد المضمون الأنثروبولوجي للحياه الروحي و التاريخ بالغاء اشارته الي أي شيء يقوم وراء الماهيه الانسانيه .
فاذا قالت الفلسفه الهيجليه القديمه اذن " العقلي هو وحده الحقيقي و الموجود فعلا " قالت الفلسفه الجديده علي عكس ذلك " الانساني وحده الحقيقي و الموجود الفعلي " لأن ما هو انساني هو وحده العقلي : الانسان مقياس العقل ...و ( المطلق) بالنسبه للانسان هو طبيعته الخاصه (3)
و سيتعلم ماركس من فويرباخ درس التوحيد لا بين ذروه الوعي الذاتي و الروح المطلقه , بل بين ذروه الوعي الاجتماعي للبشر . و ذلك أن الطبيعه الانسانيه لم تخلق للاندراج في سياق أغني منها ,بل هي بالنسبه لفويرباخ الكائن الأعلي تحققا في الوجود ens realisimum , أي أعلي ما يمكن أن يصل اليه الوجود , و أصلب قاعده لكل تفلسف .
يستطيع فويرباخ اذن بهذا المعيار , أن يفسر الدين والله بالرجوع الي الطبيعه الانسانيه و ميولها فان ما يميز الانسان عن الحيوان هو قدرته علي أن يدرك بتفكيره , لا الفرد وحده بل النوع بأكمله . و عقل الانسان مليء بطبيعته الجوهريه الخاصه الي درجه انتهت به الي اعتبار نفسه كائنا لا متناهيا . فاذا عرف الدين بأنه الوعي بالامتناهي , أمكننا أن نفهم ذلك بوصفه ادراكا للانهائيه وجود الانسان الجوهري الخاص . غير أن العقل الديني لا يري في البدايه أن موضوع عبادته هو ماهيه الانسان اللامحدوده . "الانسان يبدأ يأن يري طبيعته و كأنها " خارج نفسه قبل أن يجدها في نفسه , و في الحاله الأولي يتامل نفسه و كأنها نفس كائن أخر .(4) و ليس الله سوي هذه الطريقه العازله في النظر الي الماهيه الانسانيه و كأنها كائن أخر فهو المثل الأعلي للماهيه الانسانيه التي نجردها من أفراد التجربه , ثم نعزلها كرصيد حقيقي لكل صفات الطبيعه الانسانيه و كمالتها . و الدين هو عمليه اسقاط و جودنا الجوهري علي مجال الالوهيه المثالي ثم العوده الي أذلال أنفسنا أمام ماهيتنا الخاصه التي أحلناها الي موضوع . و الواقع أن الناس في عبادتهم لله يمجدون ماهيتهم المعزوله منظورا اليها من مسافه مثاليه .
ومن هذا التحليل يستخلص فويرباخ هذه النتيجه المتناقضه ظاهريا : وهي أن العقل الديني الذي يبلغ أقصي حالات الوعي بذاته ينبغي أن يكون ملحدا ز. فالانسان هو لنفسه الاله الحقيقي الوحيد Homo Homini Deus و ما أن ينفذ الانسان الي دلاله الدين الحقيقيه , حتي يستطيع الاستغناء عن الاله , أو عن الروح المطلقه , و يكرس نفسه لتحقيق امكانيات وجوده الجوهري الخاص . و السبب الحقيقي الذي يدفعه الي تقسيم وجوده الي الفرد التجريبي و اي الحد المثالي الأقصي هو أن كمالات الطبيعه الانسانيه محفوفه بالمكاره نتيجه للظروف العقليه في الطبيعه و المجتمع . و تودي به تعاسات الوجود العقلي الي الحنين الي حاله أكمل , و الي تصور هذه الحاله علي أنها ماهيه مثاليه و أخيرا الي تجسيد هذه الماهيه علي هيئه اله لا متناه قائم بذاته .
و قد أراد فويرباخ أن يجري عمليه جراحيه أخلاقيه دقيقه لاستئصال فكره الله , و استبقا الموقف الديني من حيث أنه يركز عقولنا علي كمالات الطبيعه الانسانيه و أراد أيضا أن يحصر الين داخل الاطار الالحادي . و يعد فويرباخ جنبا الي جنب مع المفكر الوضعي الفرنسي أوجست كونت - رائد في الدعوه الي دين انساني و اجتماعي خالص يخلو من الله و المعني الصحيح للدين ( ما دام قد أصبح انسانيا صرفا ) هو أن يكرس المرء نفسه لتحسين العلاقات الشخصيه المتبادله بين الناس علي أساس علاقه " الأنا و الأنت " تلك العلاقه القائمه علي الدافع الباطني الخالص من الحب المتبادل و المشاركه في طبيعه جوهريه واحده .
و يعتمد تقويم نقد فويرباخ الي حد كبير الي نظره المرء الي هيجل , كما تتوقف اعاده بناء الدين علس أساس الحادي علي صحه الافتراضين التمهيديين الذين وضعهما فويرباخ وهما : أن الفلسفه الهيجليه تحجب الفلسغات السابقه عليها جميعا و أن الروح المطلقه عند هيجل هي و الله شي واحد من حيث المضمون . وقبول هاتين المقدمتين التاريخيتين المشكوك فيهما هما اللتان مكنتا فويرباخ من استنتاج استحاله التوفيق بين الله و بين نزعه انسانيه أو طبيعيه اكتمل تطورها .
و اننا لنلمس الدافع الي اتهام فويرباخ بنزعه مضاده للانسانيه في قوله المأثور " لاثراء الاله ينبغي للانسان أن يكون فقيرا , و لكي يكون الاله كل شيء لا مندوحه عن أن يكون الانسان لا شيئا "(5) فمن المسلم به أنمذهب الألوهيه لا يستطيع أن يربط بين اللامتناهي و المتناهي الا علي سبيل التضاد أو الخصومه المتبادله , أعني بطريقه لا يتم فيها تمجيد الطبيعه الالهيه الاعلي حساب الطبيعه الانسانيه , و هذه النتيجه تلزم حقا عن ديالكتيك هيجل في النسبي و المطلق - حينما يوخؤخذ ما هو نسبي في حد ذاته و من حيث هويه تقاوم المطلق - كما تلزم ايضا عن نظريه الاغتراب الديني . بيد أن ما من نظريه من هاتين النظريتين يمكن أن تتطابق مع النظره الالوهيه الي الانسان و الله . و حيثما ربطنا بين الكائن اللامتناهي و الكائنات المتناهيه برابطه العليه علي هيئه العليه بين الخالق و المخلوق بدلا من الرابطه الديالكتيكيه بين المطلق و النسبي , لم تعد العلاقه علاقه خصومه أو تنافر ,بل علاقه طرق متباينه لتحقيق فعل الوجود و بعض كمالات الوجود الفعليه الأخري . ولا يتجلي وجود الله الفعلي في أن تسحب شيئا من الانسان , وانما أن تضفي علي الانسان وجوده الفعلي المتميز , و العلاقه بينهما ليست علاقه الايجاب ضد السلب بل الفعليات الخاصه بالموجودات المرتبطه برابطه العليه .
و من العجيب أن يستشهد فويرباخ بعباره شهيره من المجمع الاتراني المنعقد سنه 1215 معناها أنه أيا كان التشابه بين الخالق و المخلوق عظيما ,فأن اختلافهما أعظم . بيد أن هذا لا يعني أن الكائنات المتناهيه تخلو من كل كمالات فعليه , أو أنها تفتقر كليه الي أي تماثل مع الله . وانما المقصود من هذه العباره هو أن التفرقه بين العله الأولي ومعلولاتها لا تنمحي أبدا بالتشابه القائم بينهما , لأن وجود الله لا عله له , في حين توجد الأشياء المتناهيه دائما علي نحو معلول مشتق و تقوم الاختلافات بين الله و الانسان علي نفس الكمال الذي يتشابهان فيه , أعني علي وجودهما الفعلي بحيث تظل العلاقه بينهما علاقه عليه و تماثل . و هذا الاحتفاظ الدائم بالتشابه و التباين بين الله و الانسان فيما يتعلق بكمالهما الفعلي هو الذي مكن مذهب الالوهيه من تجنب ذلك الاختيار القاصي بصدد الدفاع عن كرامه الانسان - بين الهويه الديالكتيكيه التيوضعها هيجل بين الانسن وحياه المطلق , أو بين ما فعله فويرباخ من اضفاء طابع المطلق علي الماهيه الانسانيه , وتحطيم الارتباط باله متعال . و لقد عبر جون دون John Donne تعبيرا يجسد الدفاع الالوهي و المسيحي عن تكامل الانسان وجدارته دون التضحيه سواء بطريقتنا المتناهيه الباطنه في الوجود أو بروجوعنا الي الاله الشخصي - فقال :
" ليس الانسان مخلوقا مكملا لشيء ولكنه مخلوق كلي . و هو ليس واحدا بل جميعا .و هو ليس جزاء من العالم بل هو العالم نفسه , بل هو سبب وجود العالم في المرتبه الثانيه بعد مجد الله . ولكن لا ينبغي أن نحدد هنا هذا الاعتبار من أن الانسان شيء عظيم , و مخلوق نبيل , اذا أشرنا الي غايته و الي اهتمامه بالله , و الي رجوعه الي السماء , بيد أننا لو نظرنا الي الانسان بطريقته الخاصه , و من حيث وجوده بين الناس , لرأينا أنه ليس عدما و أنه ليس عاجزا عن مساعده الانسان أوأنه ليس صالحا لأن يثق به الانسان , فأنه حتي في هذا المقام , جعل الله الانسان الها لنفسه , و جعل انسانا واحدا يستطيع أن يودي لغيره ما يؤديه الله "
هناك اذا طابع مقدس يميز الشخص الانساني و العلاقات الاجتماعيه الانسانيه منظورا اليها في أبعادها المتناهيه الزمانيه , و كذلك من حيث صلتها بالله , و هكذا يستطيع " جون دون" أن يستخدم نفس الجمله " الانسان اله نفسه " استخداما يصحح عبلره هوبس القائله " الانسان ذئب لأخيه الانسان " Homo Homini lupus و يجعل لجوء فويرباخ الي المذهب المضاد للألوهيه غير ضروري , علي أسس انسانيه . و علينا في الحقبه التاليه علي دارون أن نفحص علاقه الانسان بالطبيعه فحصا أدق , غير أن هذا لا يفسد ما ذهب اليه " دون " عن الاساس الالهي لرساله النسان لدنيويه و كرامته .
و يجدر بنا في هذا المقام أن نفحص المعاني المختلفه التي يدعي بها فويرباخ أن الانسان مطلق و لا متناه بطبيعته . فهو يحتج بأنه اذا كان التناهي مجرد توريه عن العدم , لكان الانسان في هذه الحاله لا متناهيا .و هذه الحجه الشرطيه تقوم ضد الديالكتيك الهيجلي عن التناهي , أما خارج هذا السياق الضيق , فأن النتيجه المعتمده الوحيده التي يمكن استخلاصها هي أن الانسان ليس عدما , أو مجرد ظاهر في ذاته . و بالتالي فأن وجوده فعلي قائم بذاته و ليس مرحله داخل تطور الروح المطلقه .
"شكرا لك":
*